عفيف الدين التلمساني

171

شرح مواقف النفري

قوله : ( وقال لي : رجعت العلوم إلى مبالغها من الجزاء ، ورجعت المعارف إلى مبالغها من الرضا ) . قلت : معناه أن موضوع العلم لا تخرج عن الجزاء بالحسنات عن الحسنة وبالعقوبة على السيئات جزاء وفاقا ، وأما المعارف فليس فيها ذلك لغلبة رؤية الفاعل الحق على شهودهم ورضاهم بما يفعله الحق تعالى ، ورؤيتهم جميع فعله جميلا يرضيهم ، وذلك لغلبة حب العدل على بواطنهم ، وإيثارهم له على شهواتهم ، ولما لم يروا فعلا للحق تعالى إلا بمقتضى العدل رضوا به ، وعلاقة مثل ذلك في المؤمنين وهم عوام العارفين ما وصفهم اللّه تعالى به في قوله : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ( 65 ) [ النساء : الآية 65 ] . وهذا التسليم هو الرضا بعينه ، وحاصل التنزل أنه تفصيل لمعنوية الخلقية التي قدم ذكرها فبين معنوية خلقية العلم ، وخلقية المعرفة ، وسنبين معنوية خلقية القولية والفعلية وذلك هو : قوله : ( وقال لي : أنا أظهرت القولية بمحتمل الأسماع والأفكار وما لا يحمل أكثر مما يحمل ، وأنا أظهرت الفعلية بمحتمل العقول والأبصار وما لا يحمل أكثر مما يحمل ) . قلت : خلق وأظهر بمعنى واحد ههنا أي أعطيت الوجود وكذلك أوجدت ، وتفسير التنزل الإشارة إلى أن العبارة لها موضع تقف عنده ولا تتجاوزه ، وهو ما تشتمل عليه المسامع إلى منتهى الأفكار فما بينهما ونهاية الفلاسفة نتائج الأفكار وكذلك غيرهم من النظار ، والذي لا تسعه العبارة من أذواق هذه الطائفة هو أكثر مما يمكنه التعبير عنه ؛ وإذا كانت الأفكار وهي دون هذه الأطوار تضيق العبارة عن كثير منها وعن معانيها وكيف بما فوق ذلك المضمار ، وكذلك القول فيما أظهر من الفعلية إنما هي ما يحتمله القول ويدركه البصر وبقية الحواس وما لا تحمله هذه المدارك أكثر . وهذا مضمون « من عرف اللّه كلّ لسانه » « 1 » . ثم إن من صدق هذا التنزل لم يسارع إلى الإنكار على هذه الطائفة .

--> ( 1 ) سبقت الإشارة إلى هذا الأثر .